محمد متولي الشعراوي

10570

تفسير الشعراوي

وسَمَّى ما يفعله السحرة إفكاً ؛ لأنهم يُغيِّرون الحقيقة ، ويُخيِّلون للناس غيرها . لم يقُل الحق سبحانه : فسجد السحرة ، إنما { فَأُلْقِيَ السحرة سَاجِدِينَ } [ الشعراء : 46 ] والإلقاء يدل على سرعة الاستجابة ، وأن السجود تَمَّ منهم دون تفكير ؛ لأنه أمر فوق إرادتهم ، وكأن جلال الموقف وهيبته وروعة ما رَأوْا ألقاهم على الأرض ساجدين لله ، صاحب هذه الآية الباهرة ؛ لذلك لم يقولوا عندها آمنَّا بربِّ موسى وهارون ، إنما قالوا : { قَالُواْءَامَنَّا بِرَبِّ العالمين } وحين نتأمل ردَّ فِعْل السحرة هنا نجد أنهم خرُّوا لله ساجدين أولاً ، ثم أعلنوا إيمانهم ثانياً ، ومعلوم أن الإيمان يسبق العمل ، وأن السجود لا يتأتي إلا بعد إيمان ، فكيف ذلك ؟ قالوا : هناك فَرْق بين وقوع الإيمان ، وبين أنْ تخبر أنت عن الإيمان ، فالمتأخر منهم ليس الإيمان بل الإخبار به ؛ لأنهم ما سجدوا إلا عن إيمان واثق ينجلي معه كل شكٍّ ، إيمان خطف ألبابهم وألقاهم على الأرض ساجدين لله ، حتى لم يمهلهم إلى أنْ يعلنوا عنه ، لقد أعادهم إلى الفطرة الإيمانية في النفس البشرية ، والمسائل الفطرية لا علاجَ للفكر فيها .